ابن رشد
199
تهافت التهافت
اللازم في تقدير وجود مضاف إلى ماهية . وأما العلم بالابن ، وكذا سائر المضافات ففيه كثرة إذ لا بد من العلم بذات الابن وذات الأب ، وهما علمان وعلم ثالث وهو الإضافة ، نعم هذا الثالث مضمن بالعلمين السابقين إذ هما من شرطه وضرورته وإلا فما لم يعلم المضاف أولا لا تعلم الإضافة فهي علوم متعددة بعضها مشروطة في البعض ، فكذلك إذا علم الأول ذاته مضافا إلى سائر الأجناس والأنواع بكونه مبدأ لها افتقر إلى أن يعلم ذاته وآحاد الأجناس ، وأن يعلم إضافة نفسه بالمبدئية إليها وإلا لم يعقل كون الإضافة معلومة له . وأما قولهم : إن من علم شيئا علم كونه عالما بذلك العلم بعينه فيكون المعلوم متعددا والعلم واحدا فليس كذلك ، بل يعلم كونه عالما بعلم آخر وينتهي إلى علم يغفل عنه ولا يعلمه ولا نقول بالتسلسل إلى غير نهاية ، بل القطع على علم متعلق بمعلومه وهو غافل عن وجود العلم لا عن وجود المعلوم كالذي يعلم السواد وهو في حال علمه مستغرق النفس بمعلومه الذي هو سواد وغافل عن علمه بالسود وليس ملتفتا إليه ، فإن التفت إليه افتقر إلى علم آخر إلى أن ينقطع التفاته . وأما قولهم : إن هذا ينقلب عليكم في معلومات اللّه فإنها غير متناهية والعلم عندكم واحد ، فنقول : نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب تهافت الفلاسفة لا تمهيد الحق فليس يلزمنا هذا الجواب . فإن قيل : إنا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق ، فأما ما ينقلب على كافة الخلق وتستوي الأفهام في أشكاله فلا يجوز لكم إيراده ، وهذا الإشكال متقلب عليكم ولا محيص لأحد من الفرق عنه . قلنا : لا بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين القطعية وتشكيككم في دعاويكم . وإذا ظهر عجزكم ففي الناس من يذهب إلى أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل ، بل ليس في قوة البشر الاطلاع عليه ولذلك قال صاحب الشرع : تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه ، فما إنكاركم على هذه الفرقة المعتقدة صدق الرسول بدليل المعجزة المقتصرة من قضية العقل على إثبات المرسل المتحرزة عن النظر في الصفات بنظر العقل المتبعة صاحب الشرع فيما أتى به من صفات اللّه تعالى المقتفية أثره في إطلاق العالم والمريد والقادر والحي المنتهية عن إطلاق ما لم يؤذن فيه المعترفة بالعجز عن درك العقل . وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك البراهين ووجه ترتيب المقدمات على أشكال المقاييس ، ودعواكم إنا قد عرفنا ذلك بمالك عقلية وقد بان عجزكم وتهافت مسالككم وافتضاحكم في دعوى معرفتكم وهو المقصود من هذا البيان ، فأين من يدعي أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات . قلت : هذا كله كلام طويل غايته خطبي أو جدلي : وتحصيل ما حكاه في نصرة الفلاسفة في كون علم اللّه متحدا حجتان نتيجتهما أنه يظهر أن في المعقولات منا أحوالا لا تتكثر ذوات المعقولات بكثرتها . كما يظهر في الموجودات أحوال لا تتكثر الذوات بكثرتها ، مثل أن